.

home


السويس القاهرة رايح جاى

السويس القاهرة رايح جاى :

“من خرج من داره اتقل مقداره”.

لا أعرف من هو قائل هذه الجملة العبقرية ولكنه بلا شك رجلًا أجبرته الظروف على الحياة داخل القاهرة المدينة الشرسة الجامدة التي لا ترحم، في الحقيقة ومنذ أن خرجت من السويس وهذه الجملة لا تفارق لساني في كل مشوار أقوم به خارج حدود منزلي.

لم أكن أتصور أن أمنية الطفولة الوحيدة بالحياة داخل هذا “الخلاط” بعد كل زيارة لملاهي السندباد ستتحقق في يومًا ما ولم أكن أعلم أن طموحي في السكن بجوار الملاهي ستكون سببًا في شقائي بعدما تحققت بالفعل حتى أن ملاهي “السندباد” أغلقت أبوابها للأبد وفقدت رفاهية وجودها.

في القاهرة ستجد كل الأطياف فتجد الصعيدي وإبن أخوه البورسعيدي والإسكندراني والفلاح والغني والفقير وتجد العرب والأجانب من كل البلاد يسير كل منهم يحمل همومه أو طموحه متجهًا إلى المجهول..
بشرًا من كل الأشكال والألوان منهم من يستمتع بنيلها وليلها ومنهم من يلعن نهارها وزحامه.

مشوار واحد في القاهرة كفيل بأن يجعلك تكره اليوم الذي ولدت فيه وتلعن اللحظة التي خطت قدماك فيها هذه المدينة، عدد غير طبيعي ومهول من الناس والسيارات وكأن كل سكان الكوكب تركوا الشقة بأكملها وسكنوا جميعًا بغرفة واحدة فإن كنت تسكن في مصر الجديدة مثلًا وكنت على موعد هامً في العاشرة صباحًا في وسط البلد مثلًا فعليك أن تتعامل على إنك مهاجرًا على ظهر ناقة مريضة ومتعبة فالزحام لا يخف أبدًا من شوارع القاهرة لذا فتناول إفطارًا جيدًا ثم جهز كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا يحتوي على زجاجة مياه وبعض الأطعمة والمشروبات و لا تنسى أن يكون هاتفك مشحونًا بالكامل ولا تنسى أن تصطحب معك سماعات الأذن صديقة السفر ومؤنسة الوحدة إلا إذا رزقك الله بسائق “رغاي” فعليك الاستماع لما يقول والتعاطف معه بل والموافقة على كل أرائه حتى لا يلقي بك في قارعة الطريق وحيدًا.

أما إن كنت من أرباب السيارات فالله معك فربما يتسبب ذلك في دخولك جهنم الحمراء بسبب قاموس الشتائم الذي ستضطرك الظروف لحفظه وإلقائه من وقت لآخر على مسامع الآخرين من سائقي التكاتك والميكروباصات و الملاكي والمشاة أيضًا الذين يمرون من امام سيارتك بمنتهى الأريحية ولسان حالهم يقول “لو جدع دوسني”

يبدو لي الفرق جليًا واضحًا عندما يحالفني الحظ وأعود لوطني الصغير “السويس” فأتنفس الصعداء بعدما أجد نفسي في بداية طريق “السويس – القاهرة” الصحراوي وينشرح قلبي بعدما اعبر البوابات أو كما نسميه “الكمين”.

يااااه.. السويس ..هدوء وبحر هاديء وجو دافيء وشوارع صغيرة غير مزدحمة وبشرًا أحفظ وجوههم حتى لو لم ارها من قبل ورغم أن السويس لاتختلف عن القاهرة في أن قاطنيها جميعًا مغتربين “بلد الغريب” ولكنها أهدأ كثيرًا وأنا فيها أشعر بالسلام النفسي وأمشي في شوارعها كأني في “طرقة بيتنا” هكذا هي..أحبها رغم رائحة النشادر الصادرة من مصنع الأسمدة ورائحة الزيوت ورائحة غريبة أخرى مصدرها مصنع تكرير البترول..لأعود مرة أخرى بعد أيام لزحام وأهل القاهرة مع ضيق و”كرشة نفس” فالغريب في الأمر أن طريق “القاهرة – السويس” طريق واحد “رايح جاي” ولكن الرايح بإتجاه السويس أجمل.

القاهرة مطحنة حقيقية للأحلام والأماني والمتعة والهدوء فهي تطحن كل ذلك وتقدمه لك في النهاية على هيئة ضجيج وصراخ وكلاكسات وزحام، وإن لم تكن مصدقًا لما اقول فعليك ان تأتي وتستقل سيارة وتتجه بها لطريق صلاح سالم فهو بالفعل طريق يعتبر السير فيه تكفيرًا للذنوب لدرجة انني أتصور أن المسؤولين على الطريق سيضعون لافتة تقول “صلاح سالم طريقك إلى الجنة”.

وحتى لا أكون ظالمة أو متجنية فأنا من عشاق النيل والليل ومشاهدة أطياف البشر المختلفة في شوارعها وأعشق وسط البلد بمبانيها  بشوارعها العريقة وميدان التحرير وشوارع مصر القديمة وساندوتشات “زيزو” وكوبري قصر النيل رغم خوفي وإصابتي بفوبيا من الوقوف أو المرور فوقه‘ وأكره ثقافة المولات التي أطلت علينا من حيث لا ندري و أجبرتنا على إرتيادها هربًا من الزحام والتحرش وعدم الامان في الشوارع.

القاهرة أيضًا هي قبلة كل موهوب وكل باحث عن شهرة فدائمًا تأتي الشهرة من القاهرة وكل الفعاليات الثقافية والفنية والسياسية منبعها ومأواها القاهرة وكأن مصر ليس بها سوى هذه المدينة وكأن أهلها اصطفاهم الله بالمواهب والخبرات وباقي المحافظات ليس لأهلها الحق في الانتشار وتحقيق الطموح إلا بعد العبور من بواباتها وبالرغم من كراهية أغلب اهلها وساكنيها لها واشتياقهم لقضاء بضع أيام خارجها في أي مكان آخر إلا أنهم يعودون لها من جديد وربما ذلك هو سر غرورها.




التعليق عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

اكتب تعليق