سوق البنات

سوق البنات :

من حوالى سنة ونصف …
فى أحد منتجعات السخنة سمعتها بوصفها أغنية ( هايصة) تساعد الراقصة (الغربية ) الأصل على تجويد الرقصة (الشرقية ) التى تؤديها لنزلاء الأوتيل الفاخر .
لم أميز من كلمات الأغنية غير ( والنبى بيضااا يا امااااا، والنبى يا اماااا، يا اماااا ) ….

من شهرين فقط …
فى زيارة عائلية تلقى أولادى دعوة لحضور حفل “كيرماس” الذى تقيمه احدى المدارس الفرنسية العريقة بباب اللوق، ولم تتحمس ابنتى الكبرى للذهاب لولا أن نجم الحفل هو الفنان الشعبى، صاحب أغنية سوق البنات، وذهبت الفتاة وعادت وهى سعيدة جدااااااا، (ابنتى لمن لا يعلم مراهقة ذات ذوق فنى راقى متنوع فهى تستمع لكارمينا بورانا، بنفس الحماس الذى تسمع به أغنيات أديل، ومحمد حماقى)، إذا نحن هنا أمام شئ ما يستحوذ على اهتمام الصغيرة ، وقد دفعنى اهتمامها هذا لأن أحمل أغنية سوق البنات على فلاشة حتى استمع إلي الأغنية وأفهم أى جزء شد انتباه ابنتى لهذه الدرجة، ولأول مرة أسمع كلمات سوق البنات، ولكن…
 سمعت …… وحزنت .

 وتبقى بيضا يا اما …
تبدأ الأغنية بكلمات يحنن بها المطرب أذن المستمع ويضرب على وتر الشكوى من الزمن، ( عاللى جانى يانى.. من زمانى يانى) وهى بالمناسبة النغمة المفضلة للمصريين عموما، ليدخل مباشرة بعدها فى موضوع الأغنية والتى يتضح لنا من أول كلماتها أنها عبارة عن محادثة طويلة بين شاب وأمه، يطلب منها أن تبحث له عن عروس فى سوق البنات اللى ( كله أمارة وحلوين طعمين)، حيث أنه نفسه فى (بت) تكون (حلوة) وتبقى (بلدى) وأهم شئ عنده أنها تكون بلا أهل ومقطوعة من شجرة و(لا تقولى بابى ولا مامى)، فضلا عن أنها يجب ألا تكون ممن يخرجن من البيت (ولا أروح مشاوير) !!
ثم يعطى المستمع الكبيرة بقى … (وتبقى بيضاااا ياما والنبى يا اما يا امااااااااااا) ويعلن أنه هايموت عليها ( والنبى يا اماااااا يا اماااااااا) .

مش هما دول ياما ولا ينفعونا يا اماااااا….
لترد الأم بمنتهى الأريحية أن هناك شئ أسمه (الجامعة فىها بنات أمامير)،لكنه للأسف ذهب للجامعة فوجد كل من فيها (بنات فرافير)، فضلا عن أنهن منحلات أخلاقيا فقد وجد أن (توتو صاحب سوسو وملهمش كبير) فهو رجل حمش لا يعجبه ذلك (دانا عقلى يطير) ليقرر لأمه أن (مش هما دول ياما ولا ينفعونا يا اماااااا) حيث أن طلبه محدد ( بنت يا اما يا اما تكون أصيلة ياماااااا وتصونى يا اماااااا) ليعود ويستجدى أمه (والنبى يا اما يا امااااااااااا هاموت عليها يا اماااااا !!!).

شمال شمال تبقى معانا ويمين بيمين….
لتلقى أمه بحلها الخطير فقد توسمت فى جلاله الملك ابنها أنه ( مينفعكش إلا البلدى وده حل سليم ) التى تتميز بأهم ميزة وهى أنها تسمع كلامها وكلام جلالته ( شمال شمال تبقى معانا ويمين بيمين )، ليعلن العريس الجامد أن (طب هى ديه يا امااااااااا ،هاموت عليها يا امااااا) ليعجل بإتمام الأمور( نروح لابوها ياما، نطلب أديها يا اماااا )لأنها الوحيدة التى (تفهمنا يا امااااا) ويقرر أنه لا يستطيع الصبر لأنه ( نفسى يا اما يامااااااا فى البلدى يا امااااا يا امااااااا ) .
لتنتهى الأغنية عند هذا الحد وتتركنا لا نعرف قرار الملكة الأم، هل ستذهب لتطلب أيد الغلبانة التى ستساق شمال شمال ويمين بيمين ولا لأ .

البنات …. أرخص بضاعة السوق …

الأغنية عبارة عن قنبلة موقوتة مزروعة داخل مجتمع مهترئ بالفعل، لا يتحمل أى هراء أو إهتراء جديد، إلا أنها كاشفة لدرجة الصدمة، فأى عبث هذا الذى رخص المرأة التى هى نصف المجتمع لتتساوى مع أى بضاعة تعرض فى السوق، أن التساوى مع البضاعة هنا ليس هو المشكلة فقط ولكن الأريحية التى يتم التعامل بها مع مفهوم سوق البنات تعطى إنعكاساً لمفهوم إنتقاص الأنوثة فى المجتمع والتى يسهم فى تكريسه المرأة نفسها فالطرف الأخر فى حوار هذه الأغنية هى الأم ( المرأة) التى هى فى واقع الأمر الطرف الأقوى التى تلقى بالحلول على إبنها ( الحائر ) والتى تتماهى فى شخصية إبنها الذكر،( فنجد المطرب يتكلم عن أمه بصيغة الجمع وهى تتكلم معه وتقنعه بسلامة إختيارتها له أيضا بصيغة الجمع وكأن العروس الغلبانة ستتزوج الرجل وأمه)، حيث تستمد الأم من ذكورة أبنها ما يرفعها لمكانة تساوى مكانة الرجل تمكنها من التحكم  فى إمرأة أخرى، لتستمر دائرة الإنتقاص والتحكم إلى ما لا نهاية .
لن أتكلم عن الطرح المتدنى للجامعة ورسم صورة لها فى مخيلة عامة الجمهور أنها مكان للإنحلال الأخلاقى، فالمجتمع ككل يحتقر العلم ولا يرى أن الجامعة محراب العلم  الذى له قدسيته واحترامه، لكنى سأتكلم عن خطورة تسرب وانتشار هذه الأغنية لمجتمع المراهقين والشباب من أبناء الطبقة المثقفة، فالمطرب يدخل بأغنيته هذه وغيرها  أماكن عِلم ليحى حفلات ترفيهية تقيمها تلك الأماكن، وجمهورها من هذه الفئة العمرية الغضة القابلة لامتصاص الرسائل اللاشعورية المحملة بها الأغنية والمحتقرة للمرأة والتى لا ترى فيها غير سلعة معروضة فى سوق، وحتى يكثر عليها الطلب ولا (تبور )، يجب أن تتحلى بعدة مقومات وهى :
-أن تكون بيضاء البشرة (لون بشرة أبناء الدول المتقدمة حديثا، دول الاستعمار قديما)
-بلا أهل أو سند فيسهل الاستقواء عليه.
 -سهلة الإنقياد بلا شخصية.
وبعد كل هذا يأتى المقوم الرابع فى عجالة برغم أهميته، وهو أن تكون أصيلة تصون الرجل الهمام ، الذى على كثرة طلباته هو وأمه لم نفهم منه أى ثمن سيدفعه فى ( البضاعة)، وماذا سيقدم لها من مقابل ليتمكن من شرائها من …. سوق البنات .

 

 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.